ابراهيم بن عبد الرحمن بن أبي بكر الأزرق
99
تسهيل المنافع في الطب والحكمة
والسلام يأكل البرد ويقول : ( إنه يقتل الدود في الإنسان ) ، وقال عليه الصلاة والسلام : ( إذا شرب أحدكم الماء فليشرب أبرد ما يقدر عليه ؛ لأنه أطفأ للمرة وأنفع للعلة ) ، وينبغي أن يشرب الماء البارد في الصيف والمفتر في الشتاء فإن شرب الماء المفتر في الصيف مرخ للمعدة مهلك لها ، كما أن شرب الماء الصادق البرد في الشتاء مطفئ للحرارة مفسد آلات الصدر مهلك الكبد وربما أهلك في حينه لعله يطول شرحها . وأوفق المياه معتدل البرودة ، فإنه يقوي الشهوة ويشد المعدة ويحسن اللون ويمنع تعفن الدم وصعود البخار إلى الدماغ ويحفظ الصحة ، أما الماء الحار فإن كان فاترا جلا المعدة إلا أنه يوهنها ويفسد الهضم ويهزل البدن فإن تجرع على الريق غسل المعدة والحلق والطبيعة ، وربما أدى شربه إلى الاستسقاء ، ودفع ضرره خلطه بماء بارد ، على أنه صالح للشيوخ وأصحاب الصرع والصداع البارد والرمد والماليخوليا ، وإن سخن بالشمس خيف منه البرص ، وروى الشيخ بإسناده عن عائشة رضي اللّه عنها قالت : سخنت ماء في الشمس لأتوضأ به ، فقال النبي صلى اللّه عليه وسلم : ( لا تفعلي هذا فإنه يورث البرص ) ، ورأى الشيخ في هذا الحديث : أنه لا يصح ، غير أنه لا بأس أن يتوقى هنا . قلت : وأما الماء المشمس فمكروه ؛ لحديث عائشة وابن عمر رضي اللّه عنهما ، وروى ابن عباس رضي اللّه عنهما أنه صلى اللّه عليه وسلم قال : ( من غسل بماء مشمس فأصابه وضح فلا يلومن إلا نفسه ) ، الوضح بالضاد المعجمة هو البياض ، ويكني به عن البرص كما قاله الجوهري ، لكن حديث ابن عباس ليس معروفا ، وحديث عائشة ضعيف باتفاق المحدثين ، ومنهم من يجعله موضوعا كما قاله الإمام النووي في شرح المهذب ، يخرج عن الماء المشمس ما كان في الحياض والبرك أو ماء الأنهار لأن ذلك لا يمكن حفظه من الشمس فلم يتعلق به المنع وهذا متفق عليه عند العلماء ، وإنما يكره من الماء المشمس ما كان في الأواني النحاسية وأن يكون في البلاد الحارة ، ولا يكره في أواني الذهب والفضة . وأما الماء المالح فحار يابس ، يطلق البطن ويهزل ويحدث حكة وجربا ونفخا وعطشا وهو ثقيل رديء ، واللّه أعلم .